عزت الكاتبة رنا ممدوح تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية، الذي أقر مجلس النواب إرجاء العمل به أمس، إلى عدم الجاهزية، بحسب ما ذكره نواب والحكومة. غير أن مصادر برلمانية وقانونية قالت لـ«مدى مصر» إن تأثير دخول القانون حيز التنفيذ على مئات المحتجزين احتياطيًا ربما كان أحد الأسباب التي دفعت إلى تأجيل تطبيقه في اللحظات الأخيرة.
وذكرت ممدوح في تقرير نشره موقع مدى مصر أن حزب مستقبل وطن، المقرب من السلطات، مشروع قانون إرجاء تطبيق القانون، إذ نص على تعديل القانون الصادر عام 2025 وتأجيل العمل به حتى أكتوبر 2027، بدلًا من النص الوارد في القانون الأصلي الذي حدد الأول من أكتوبر موعدًا لبدء سريانه.
وبحسب مجلس النواب، جاء قرار تأجيل تطبيق القانون إلى العام المقبل أساسًا بسبب المخاوف المتعلقة بجاهزية المنظومة الرقمية التي ينص القانون على استخدامها في الإعلانات القضائية وإجراءات المحاكمات عن بُعد.
جاهزية المنظومة الرقمية تثير تساؤلات حول أسباب التأجيل
خلال اجتماع لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية أمس، وقبيل التصويت في الجلسة العامة على مشروع قانون تأجيل التطبيق، قال وزير شؤون المجالس النيابية حنفي جبالي إن الوزارة تؤيد مشروع القانون لإتاحة مزيد من الوقت للاستعداد لتطبيقه، مشيرًا إلى أن «بعض المحاكم جرى تجهيزها، بينما لا تزال محاكم أخرى، مثل محاكم استئناف الجنايات، بحاجة إلى التجهيز».
لكن وزارة العدل أصدرت عدة قرارات في أغسطس أشارت إلى استعدادها لتطبيق المنظومة الرقمية. ففي 30 أغسطس، أعلنت الوزارة الانتهاء من التجهيزات المطلوبة في قاعات المحاكم ومراكز التدريب لتطبيق النظام الجديد، بالتنسيق مع محاكم الاستئناف ونقابة المحامين.
وفي 9 سبتمبر، أعلنت الوزارة تدريب قضاة المحاكم الجنائية والموظفين والمحامين في دوائر قضائية مختلفة تدريبًا كاملًا على استخدام المنظومة الرقمية.
وتشير المعطيات إلى أن تأجيل مشروع القانون ربما ارتبط بأسباب تتجاوز جاهزية المنظومة. وقال مصدر في الأمانة العامة لمجلس النواب، طلب عدم الكشف عن هويته، إن قرار التأجيل استند إلى تقارير أمنية وتوصيات صادرة عن جهاز الأمن الوطني. وأضاف أن هذه التقارير أشارت إلى وجود مواد معينة في القانون تحتاج إلى مزيد من الوقت قبل تطبيقها، من بينها المادة 363، التي تضع قيودًا على مدد الحبس الاحتياطي، وفقًا للمادة 124.
وتحدد المادة 124 من القانون الحد الأقصى الإجمالي للحبس الاحتياطي بأربعة أشهر في الجنح، و12 شهرًا في الجنايات، و18 شهرًا إذا كانت العقوبة القصوى للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام.
وبحسب المصدر، كان من الممكن أن تترتب على هذه الحدود آثار فورية على المحتجزين حاليًا، بما قد يلزم السلطات القضائية وجهات التحقيق بالإفراج عن مئات الأشخاص المحتجزين احتياطيًا لفترات تتجاوز هذه الحدود الزمنية.
احتجاجات معتقلي قضايا الإرهاب في بدر
وربط المحامي الحقوقي نبيل الجنادي، مؤسس مؤسسة «تبيان للحقوق والحريات»، قرار تأجيل مشروع القانون بالاحتجاجات الجماعية التي نظمها محتجزون احتياطيًا على ذمة قضايا إرهاب في محكمة بدر الأسبوع الماضي. وقال إن الأسباب التي أعلنتها الحكومة والبرلمان للتأجيل «حقيقية وإيجابية»، لكنه رأى أنها ليست السبب الرئيسي وراء القرار.
وروى الجنادي ما شاهده شخصيًا داخل مجمع سجون بدر، خلال سلسلة من جلسات محاكمة متهمين في قضايا إرهاب الأسبوع الماضي. واحتج المتهمون خلال ثلاث جلسات متتالية على تجديد حبسهم الاحتياطي بصورة متكررة. وفي نهاية الجلسة الأولى، ظل المتهمون داخل القفص الزجاجي وطرقوا على زجاجه، مرددين «حرية»، بينما غادر القاضي وجدي عبد المنعم قاعة المحكمة.
وفي اليوم الثاني، حطم المتهمون الكاميرات الموجودة داخل القفص الزجاجي، مع استمرارهم في ترديد هتاف «حرية». وفي اليوم الثالث، طرقوا على الزجاج مرة أخرى مع اعتلاء عبد المنعم منصة القضاء.
وقال الجنادي إن القاضي طلب من المتهمين التزام الصمت حتى تبدأ الجلسة، لكنهم واصلوا احتجاجهم. وطلب بعدها من أحد المحامين دخول القفص لتهدئة المحتجزين، إلا أن أحدًا لم يتقدم. عندها طلب القاضي من ثلاثة متهمين داخل القفص، يعملون أيضًا محامين، تهدئة زملائهم من المحتجزين.
وأوضح القاضي أن المحامين يدركون خطورة تعطيل سير الجلسات وإهانة القضاء، وحذر من أنه إذا لم يتوقف الآخرون عن الاحتجاج فسيحكم بسجن جميع الموجودين داخل القفص.
وتوقف معظم المحتجزين عن الطرق على الزجاج بعد ذلك. وبعد فترة وجيزة، نادى عبد المنعم على أحد المتهمين داخل القفص، طارق محمد مصطفى، وأصدر بحقه حكمًا بالسجن ثلاث سنوات بتهمة تعطيل سير إجراءات المحاكمة.
ويرى الجنادي أن هذه الاضطرابات شكلت السبب الحقيقي وراء تأجيل تطبيق القانون، لا سيما أن كثيرًا من المحتجزين علقوا آمالهم في الإفراج عنهم على المادة 124. وقال إن المتهمين حاولوا من خلال احتجاجاتهم تذكير المحكمة بأن دخول القانون حيز التنفيذ سيجعل الإفراج عنهم أمرًا حتميًا، خصوصًا أن بعضهم قضى أكثر من خمس سنوات رهن الحبس الاحتياطي.
وحذر الجنادي من أن التأجيل قد يؤدي إلى تصاعد أعمال العنف داخل السجون مع انتشار اليأس بين المتهمين.
وقال المحامي أسعد هيكل لـ«مدى مصر» إن الحكومة والبرلمان، بعد دفاعهما عن القانون، يواجهان الآن مأزقًا محرجًا، إذ يتعين عليهما إما الإفراج عن المحتجزين احتياطيًا أو مخالفة القانون نفسه الذي دفعا باتجاه إقراره.
جدل برلماني حول قرار التأجيل ومصير القانون
وخلال جلسة البرلمان أمس، تساءل بعض النواب عن الجهة التي تقف وراء القرار، مشيرين إلى أن انعقاد الجلسة جاء بقرار رئاسي، بينما طرح نواب مشروع التعديل المقترح.
وفي الليلة السابقة، تلقى أعضاء لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية رسالة إلكترونية من رئيس اللجنة أبلغهم فيها بانعقاد اجتماع طارئ في صباح اليوم التالي لمناقشة مشروع قانون «مهم وعاجل». ولم تكشف الرسالة عن طبيعة المشروع، بحسب ما قاله عدد من النواب لـ«مدى مصر».
وبعد دقائق، أرسل الأمين العام لمجلس النواب رسالة أخرى إلى جميع النواب أبلغهم فيها بصدور قرار رئاسي بدعوة المجلس إلى عقد جلسة طارئة صباح الأربعاء، دون توضيح سبب الدعوة.
ورغم أن كثيرًا من النواب كانوا يتوقعون أن تخصص الجلسة للتصويت على تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية، فإنهم تصوروا أن يقدم رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء مشروع القانون إلى المجلس للنظر فيه. لكنهم فوجئوا بطرح المشروع من جانب نواب حزب مستقبل وطن، الذي يمتلك أغلبية المقاعد في غرفتي البرلمان.
وأثار هذا الأمر انتقادات من نواب خلال الجلسة.
وكتبت إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، في بيان نشرته عبر الإنترنت: «عندما نبدأ جلسة تشريعية بإخبار المواطنين عن إنجازات الحكومة، ويكون أول هذه الإنجازات التراجع عن القانون الثاني للبلاد بعد الدستور بهذه الطريقة، فإن ذلك يقوض مصداقية البرلمان».
وتساءلت النائبة راوية مختار عما إذا كانت الحكومة قد شعرت «بإحراج شديد» بسبب عدم جاهزيتها.
وكان القانون، الذي صدق عليه رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي العام الماضي، قد واجه انتقادات واسعة من جهات قانونية وبرلمانية وحقوقية، بسبب عدم معالجته بصورة كافية ممارسات طويلة الأمد ومسيئة داخل منظومة العدالة، وعلى رأسها الاستخدام الواسع للحبس الاحتياطي و«تدوير» المتهمين، أي إدخال متهمين يقترب موعد الإفراج عنهم في تحقيقات جديدة لإعادة احتساب مدد الحبس الاحتياطي وتأخير الإفراج عنهم.
كما انتقدت جهات معارضة للقانون افتقاره إلى ضمانات كافية للمتهمين وهيئات الدفاع خلال التحقيقات.
وكان ناصر أمين، رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، قد دعا في سبتمبر إلى تأجيل تطبيق القانون لضمان حسن سير العدالة، ورأى في قرار الأربعاء فرصة لإعادة فتح النقاش العام بشأن مدى توافق التشريع مع معايير المحاكمة العادلة وتحقيقه توازنًا بين الحقوق الفردية والمصلحة العامة.
وقال أمين إن القرار «فرصة جيدة لإنقاذ سمعة النظام القضائي المصري»، مضيفًا أن النظام القضائي «لا يستطيع تحمل مزيد من الضرر»، بعدما سجل مؤشرات متدنية للغاية في مؤشرات سيادة القانون والعدالة على مدار العقد الماضي.
ومع تعليق تطبيق القانون، تواصل مصر العمل بالقانون الحالي، الذي ظل نافذًا على مدار 75 عامًا.
https://www.madamasr.com/en/2026/10/01/news/u/prisoner-protests-lack-of-readiness-delay-enactment-of-new-criminal-procedures-law/

